"قضايا اللغه والاسلوب في كتاب الخصائص لابن جنّي"

نبيل سيد عبد الفتاح محمد علي عين شمس الآداب اللغة العربية وآدابها الدكتوراه 2003

"تختص هذه الدراسة ببحث قضايا اللغة والأسلوب فى كتاب الخصائص لابن جنى، وقد بدأها الباحث بمقدمة، عرض فيها أسباب اختياره لموضوع الدراسة، كما تناول فيها تقسيم فصول البحث، ملخصًا الموضوعات التى درسها فى كل فصل على حدة.

 

وهذه الدراسة تأتى فى بابين: اختص الأول، وعنوانه: فى قضايا اللغة بدراسة أهم القضايا اللغوية التى تناولها ابن جنى فى كتاب الخصائص، ويهتم الباب الثانى، وعنوانه: فى قضايا الأسلوب بدراسة أهم الموضوعات التى درسها ابن جنى فى كتابه، مما يدخل ضمن مفهوم البحث الأسلوبى بمعناه الحديث.

 

وينقسم الباب الأول إلى أربعة فصول: خصص الفصل الأول، وعنوانه: مذاهب نشأة اللغة فى كتاب الخصائص لدراسة المذاهب التى عرضها ابن جنى فى تفسيره لنشأة اللغة الإنسانية، وهى - فى الخصائص- ثلاثة مذاهب: التوقيف أو الإلهام، والاصطلاح، والمحاكاة.  وقد بيّن الباحث أن ابن جنى عرض لكل مذهب بصورة موضوعية، فهو -وإن كان معتزليًّا- لم يرفض مذهب التوقيف، القائل بأن الله سبحانه وتعالى علم آدم اللغة الإنسانية، وإنما تردد بينه وبين مذهب الاصطلاح، القائل بأن الإنسان اصطلح على اللغة، على عكس ما يقال فى بعض الدراسات المعاصرة من أن ابن جنى قال بالاصطلاح ورفض التوقيف.  أما المذهب الثالث، وهو مذهب المحاكاة، فقد بين الباحث أن ابن جنى تقبل هذا المذهب القائل بأن اللغة نشأت محاكاة لأصوات الطبيعة؛ ومن هنا فإنه كان يرى أن هناك علاقة لازمة بين الدال والمدلول، وأن زيادة المبنى تؤدى إلى زيادة المعنى.

 

وقد عرض الباحث لأنصار كل مذهب من المذاهب الثلاثة وأدلتهم، فى العصور القديمة والحديثة، وبين أن العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية، وأن مذهب الاصطلاح عليه اعتراضات قوية، وأن مذهب التوقيف المعتمد على أدلة دينية هو أقوى المذاهب من وجهة نظر الباحث.

 

ويأتى الفصل الثانى لدراسة ظواهر الترادف والاشتراك اللفظى والتضاد عند ابن جنى، وقد عرض الباحث لموقف اللغويين، من العرب ومن غير العرب، من القدماء والمحدثين، من هذه الظواهر، وبيّن أنها موجودة فى اللغات جميعًا، وأنها ليست مما يعيب العربية، بل إنها مما يثريها، وتناول بالتفصيل رأى ابن جنى فى هذه الظواهر، وأسباب وجودها فى اللغة من وجهة نظره ومن وجهة نظر الباحثين القدماء والمحدثين.  كما بين أن ابن جنى فطن فى الاشتراك اللفظى لما يسمى عند الباحثين الأوربيين والمحدثين من العرب بتعدد المعنى، وأنه تناول فى الأضداد نوعًا منها هو السلب.

 

أما الفصل الثالث فقد خصصه الباحث لدراسة موضوع الاشتقاق بنوعيه: الأصغر والأكبر، كما عرض لقضية أصل المشتقات والخلاف فى ذلك بين البصريين والكوفيين وحجة كل فريق، كما تناول موضوع هل الكلم مشتق أم غير مشتق، ورأى العلماء فى ذلك، ومبالغات بعض العلماء فى مواقفهم، وعرض لرأى المحدثين فى تلك الموضوعات.  وقد تناول الباحث بالتفصيل موقف ابن جنى من الاشتقاق، وبين أنه من أكثر المواقف اعتدالا، فقد كان ابن جنى يرى أن بعض الكلم مشتق وبعضه غير مشتق، كما كان يرى أن أصل المشتقات ليس واحدًا، وقد ساق الأدلة من الخصائص على أن العرب اشتقت من الأعجمى ومن أسماء الأصوات ومن الحروف ومن حروف المعانى (مثل سوف، نعم، لا)، ومن حروف المبانى، وهى حروف الهجاء المعروفة، ومن الجوهر (الجامد).

 

وقد فصل الباحث القول فى موضوع الاشتقاق الأكبر، وبين أن ابن جنى هو أول من أطلق عليه هذه التسمية، وأنه قد يكون أفاد من فكرة التقاليب الواردة فى معجم العين للخليل بن أحمد، كما أن أبا على الفارسى كان قد فطن إلى الاشتقاق الأكبر، ولكنه لم يفصل فيه القول على نحو ما وجد عند ابن جنى؛ ولذلك عدوه هو مبدع الاشتقاق الأكبر، وقد وقف الباحث عند الهجوم الذى تعرض له ابن جنى قديمًا وحديثًا بسبب الاشتقاق الأكبر، وبيّن أن مهاجمى ابن جنى ظلموه، وأن الاشتقاق الأكبر موجود فى اللغة، كما أوضح أن هناك من بالغوا فيه، وأن ابن جنى لا علاقة له بأنواع الاشتقاق التى نسبها له المحدثون، ويكفيه أن مستشرقًا مثل آدم متز أشاد بصنيعه فى الاشتقاق الأكبر.

 

وقد جاء الفصل الرابع لتناول قضيتى السماع والقياس، وفيه عرض الباحث لأهمية السماع عند العرب وأنهم قصروا الاحتجاج بالمادة اللغوية على فترة معينة، كما تناول آراء العلماء فى مصادر الاحتجاج والأسباب التى دعت العرب إلى تقديم السماع على طرق أخذ العلم جميعًا، وعرض لرأى ابن جنى فى السماع وأنه سيد الأحكام وأهميته فى رأيه، وأن اللغة لا تؤخذ إلا من الأعراب الموثوق بفصاحتهم، وأنه كان حريصًا على الاتصال بالأعراب لأسباب أوضحها الباحث، كما تناول موقف ابن جنى من مصادر الاحتجاج، ورأيه فى المطرد والشاذ وعلاقة السماع بالقياس وصلة الضرورة الشعرية بالموضوعين. وقد تناول الباحث القياس وتعريفه وحتمية وجوده فى اللغة وفوائده ومؤيدى وجوده ومعارضيه، كما تناول نوعى القياس: الاستعمالى والنحوى ورأى ابن جنى فى ضرورة وجود القياس والحاجة له وفوائده وصحته والشروط التى ينبغى أن تتوفر فى عملية القياس وعلاقة القياس بالضرورة الشعرية وأنواع الضرورات، وأنواع القياس النحوى، كل ذلك بالأمثلة التى توضح موقف ابن جنى وصحة رأى الباحث.

 

وينقسم الباب الثانى -كذلك- إلى أربعة فصول، جاء الأول منها لدراسة مظاهر الدرس الأسلوبى فى التراث العربى القديم، وفيه يعرض الباحث لآراء الباحثين المعاصرين حول مسألة وجود الدرس الأسلوبى فى التراث العربى القديم والخلاف فى ذلك، كما عرض لمفهوم الأسلوب وتعريفاته فى الغرب، بدءًا من اليونان القدماء ومرورًا بالعصور الوسطى، وصولا إلى علماء الأسلوب الغربيين المحدثين، من أمثال: دى سوسير، وشارل بالى وجاكوبسون وتودورف وستيفان أولمان، ثم ينتقل الباحث ليعرض لمفهوم الأسلوب فى التراث العربى القديم، مبينًا بالنماذج والأدلة أن العرب القدماء عرفوا ما يسمى بالأسلوب الشخصى، وأن هناك صلة بين لغة المبدع وحالته النفسية أو ما يعرف فى النقد الحديث بالعاطفة، كما أنهم عرفوا ما يسمى بأسلوب العصر أو الأسرة الأسلوبية، وعرفوا الربط بين التكرار ونفسية المبدع. وقد تناول الباحث بعض النقاد العرب ومفهوم الأسلوب عندهم، من أمثال ابن قتيبة والخطابى والباقلانى وعبد القاهر الجرجانى، الذى أولاه الباحث عناية خاصة؛ إذ هو الناقد العربى الذى سبق الغرب إلى تقديم نظرية للأسلوب لا تنفصل عن نظريته فى النظم، وقد اعتمد عليه من جاءوا بعده، حتى جاء حازم القرطاجنى وابن خلدون فتناولا الأسلوب تناولاً أكثر عمقًا وشمولاً.

 

ويأتى الفصل الثانى لتناول قضيتى الحقيقة والمجاز من وجهة نظر اللغويين والبلاغيين والأصوليين، وقد عرض الباحث فيه تفصيلاً لمفهوم الحقيقة والمجاز عند ابن جنى، وأن ابن جنى يدخل المجاز تحت ما سماه شجاعة العربية، وهى التسمية التى أخذها ابن الأثير من ابن جنى دون إشارة إليه، كما أخذ أو لنقل سطا على أفكار ابن جنى فى قوة اللفظ لقوة المعنى وفى الاشتقاق الأكبر وغير ذلك دون إشارة.

 

والباحث فى هذا الفصل يفصّل القول فى المعانى الثلاثة التى قال ابن جنى إنه 

يعدل من الحقيقة إلى المجاز من أجلها، وهى الاتساع والتوكيد والتشبيه، ويبين عدم صحة نقد ابن الأثير لابن جنى، ويتناول أقسام المجاز عند ابن جنى، وهى التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز المرسل، والمجاز العقلى، ويبين أن التشبيه عند ابن جنى يشمل التشبيه البليغ، والتشبيه بالأعلام، والتشبيه المقلوب أو المعكوس، كل ذلك بالأمثلة الدالة، كما يعرض لرأى ابن جنى فى قضية اللفظ والمعنى، ويبين أن المعنى هو المقدم عنده، ويقف وقفة مطولة عند رأيه فى أن أكثر اللغة مجاز، ويبين خطأ النقد الذى تعرض له ابن جنى فى ذلك، ويوضح ما يريده ابن جنى من أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة، وعلاقة ذلك بالمجازات الميتة ومستويات المجاز فى رأيه، وصلة المجاز بالعقيدة.

 

أما الفصل الثالث فهو خاص بقضايا التراكيب أو السياقات، وفيه يدرس الباحث قضية التقديم والتأخير، ويبين أنه نوعان عند ابن جنى، كما يعرض لعلاقة الضرورة الشعرية بالتقديم والتأخير، ثم يدرس قضية الحمل على المعنى وأنه كثير فى اللغة، مثل تذكير المؤنث، وتأنيث المذكر، واستخدام المفرد مكان الجمع، والجمع مكان المفرد، والحذف والتقدير حملا على المعنى، ثم يدرس قضية الحذف والزيادة، فيدرس حذف الجملة، وحذف المفرد، وحذف الفعل، وحذف الحرف، وحذف الاسم، والزيادة فى الحروف، والزيادة فى غير الحروف.

 

ويأتى الفصل الرابع لتناول العدول، وفيه يتناول الباحث قضية الضرورة الشعرية على نحو موسع، ويوضح ألوانها فى رأى ابن جنى وأقسامها، كما يتناول قوة اللفظ لقوة المعنى، كما يعرض لقضية الانحراف أو العدول فى الحركات الإعرابية، ثم يتناول الالتفات فى الحروف، كل ذلك بالأمثلة التى توضح تناول ابن جنى لكل قضية من القضايا المشار إليها.

 

ويختتم الباحث دراسته بخاتمة يلخص فيها أهم النتائج التى توصل إليها من خلال دراسته لقضايا اللغة والأسلوب عند ابن جنى؛ ذلك أن رصد النتائج كان يحتاج إلى حديث مفصل، وهو ما لا تسمح به طبيعة الدراسة، وقد رأى الباحث أن الإشارة السريعة تكفى فى ذلك الأمر."


انشء في: ثلاثاء 20 نوفمبر 2012 08:18
Category:
مشاركة عبر